أثارت عمليات قطع الأشجار المعمرة في المهندسين بالقاهرة، التي نفذتها فرق تابعة للأجهزة المحلية لتوسعة حارات المرور، جدلًا واسعًا في الأوساط الشعبية والبرلمانية والبيئية. ويتناول الكاتب محمود عطية، في هذا التقرير، تداعيات قطع أشجار امتد عمر بعضها لعقود على شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود، وسط تساؤلات حول جدوى زراعة أشجار جديدة لتعويض الغطاء النباتي الذي استغرق عقودًا في النمو.
ونشرت المنصة التقرير موضحة أن عمليات قطع الأشجار تتعارض مباشرة مع المبادرة الرئاسية «100 مليون شجرة»، التي أطلقتها الدولة في نوفمبر 2022 باعتبارها حملة وطنية تمتد سبع سنوات، وتستهدف زراعة 100 مليون شجرة في 9900 موقع تغطي نحو 6600 فدان بحلول السنة المالية 2028/2029، بهدف مضاعفة نصيب الفرد من المساحات الخضراء وتحسين جودة الهواء والحد من الانبعاثات.
لكن على أسفلت المهندسين، حوّلت المناشير الأشجار الناضجة إلى جذوع عارية، ما دفع مواطنين إلى تداول صور على مواقع التواصل الاجتماعي لجزُر وسطية أزيلت أشجارها، إلى جانب تقارير عن عمليات قطع مماثلة في عدد من المحافظات. وتساءل سكان غاضبون عن سبب إزالة السلطات المحلية الأشجار التاريخية بدلًا من نقلها إلى أماكن أخرى.
وتأتي هذه الأزمة في ظل تراجع مقلق للغطاء الأخضر في القاهرة الكبرى. ووفقًا لدراسة تجريبية حول استخدامات الأراضي، انخفضت نسبة المساحات الخضراء في العاصمة من 11.2% عام 2001 إلى 8.5% عام 2021، أي بتراجع صافٍ يقارب 24%، ما أدى إلى فقدان نحو 32 كيلومترًا مربعًا من الغطاء النباتي.
وتوضح هذه الخسائر أن أعداد الأشجار المزروعة حديثًا لا يمكن تقييمها بمعزل عن الأشجار القائمة؛ إذ إن احتساب الشتلات الجديدة قد يخلق وهمًا بالتقدم بينما يختفي الغطاء الشجري الحضري الموجود في الوقت نفسه.
وعود التشجير في مواجهة الأسفلت
دافعت وزارتا البيئة والتنمية المحلية عن أعمال الطرق في شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود، مؤكدة أن إضافة حارات جديدة أصبحت ضرورية لاستيعاب الزيادة في حركة المرور الناتجة عن توسعة المحاور الرئيسية المحيطة، ومنها محور كمال عامر ومحور 26 يوليو بعد تطويره وكوبري 15 مايو.
ومع تصاعد الغضب الشعبي، وجهت وزيرة البيئة والتنمية المحلية منال عوض المسؤولين إلى حصر جميع الأشجار التي قُطعت على امتداد الطريق وتحديد أسباب عدم نقلها وزراعتها في أماكن أخرى.
وتعهدت عوض بتعويض الأشجار المفقودة عبر زراعة ضعف العدد الذي أزيل، مع اختيار أنواع ملائمة للبيئة الحضرية وأعمال تطوير الطرق الجارية.
وأكدت وزارة البيئة مجددًا أن برامج التشجير لا تستهدف زيادة الأعداد فحسب، وإنما تختار أنواعًا قادرة على تحمل الجفاف وظروف التربة، وتتناسب مع المناخ المحلي لكل منطقة، بما يضمن تحقيق أكبر عائد بيئي ممكن.
وسارعت السلطة التنفيذية إلى احتواء تداعيات الأزمة. ووجه رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، يوم السبت، الحكومة إلى تنفيذ مشروع شامل لـ«تخضير القاهرة»، بحيث تتحول أي مواقع يجري إخلاؤها من الأشجار إلى حدائق عامة ومساحات خضراء، في إطار جهود الحفاظ على التراث المحيط بالمعالم التاريخية للعاصمة.
وتابع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي تنفيذ توجيهات السيسي خلال اجتماع للحكومة عقده الاثنين، حيث كلف عوض بالاستعانة باستشاريين متخصصين والبدء فورًا في أعمال التشجير على الطريق الدائري والمحاور والطرق الرئيسية.
كما وجه مدبولي بحصر جميع الأراضي المملوكة للدولة وغير المستغلة لتحويلها إلى حدائق عامة ومساحات خضراء، مع توفير قطع أراضٍ بديلة للجهات الحكومية التي تدير تلك الأراضي في المدن الصحراوية الجديدة.
لكن بينما تلتزم الحكومة بتوسيع إجمالي المساحات الخضراء، تثير عمليات إزالة الأشجار معضلة بيئية مستمرة: هل تستطيع الشتلات الجديدة فعلًا تعويض غطاء شجري استغرق عقودًا حتى ينمو؟
قيمة الظل الذي توفره الأشجار المعمرة
حذر الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، من أن إزالة الأشجار في شارع جامعة الدول العربية والدقي والمهندسين تهدر رأس مال بيئيًا لا تستطيع الشتلات تعويضه. وأشار إلى أن الأشجار التي قُطعت مؤخرًا في القاهرة والجيزة يعود عمر بعضها إلى 70 عامًا، بينما تجاوز عمر أشجار أخرى 150 عامًا.
وقال نور الدين لـ«المنصة» إن الأشجار الكبيرة توفر مساحات واسعة من الظل وتخفض درجات الحرارة المحيطة محليًا بما يتراوح بين 4 و8 درجات مئوية، مؤكدًا أن الحفاظ عليها ضرورة قصوى، خصوصًا في ظل موجات الحر الشديدة خلال فصل الصيف.
وأوضح أن الشتلات الصغيرة تحتاج إلى عقود حتى تصل إلى حجم يوفر ظلًا مماثلًا، كما تستهلك خلال مراحل نموها كميات كبيرة من المياه والأسمدة وأعمال الصيانة. أما الأشجار المعمرة، فتملك شبكات جذور عميقة وناضجة تمكنها من الاستفادة من المياه الجوفية بصورة مستقلة.
وأكد نور الدين أن ضخامة الأشجار لا تعني استحالة الحفاظ عليها، مشيرًا إلى أن المعدات الحديثة في مجال رعاية الأشجار تتيح اقتلاع الأشجار الكبيرة مع كتل جذورها والتربة المحيطة بها، ما يسمح بنقلها وزراعتها بصورة دائمة في أماكن أخرى أو تخزينها مؤقتًا حتى انتهاء أعمال البناء.
وأوضح أن إمكانية نقل الأشجار تعتمد على نوعها وحجمها وحالتها الصحية، لكنه شدد على ضرورة إجراء تقييمات فنية قبل اتخاذ أي قرار بقطعها، بدلًا من اعتبار زراعة الشتلات الصغيرة حلًا تلقائيًا.
وانتقد نور الدين ما وصفه بـ«الإهمال الجسيم» للغطاء الأخضر في المدن المصرية، قائلًا: «كأن هناك عداوة بيننا وبين اللون الأخضر»، ودعا الدولة إلى حماية الأشجار القائمة والتوسع في التشجير، خصوصًا في ظل استثمار دول صحراوية مجاورة بكثافة في الأحزمة الخضراء داخل مدنها.
كما دعا إلى توسيع الصلاحيات القانونية لوزارة البيئة بما يسمح لها بإلزام الجهات المعنية بإجراء تقييمات أثر بيئي ملزمة قبل تنفيذ مشروعات البناء. وأكد أن حماية البيئة ينبغي أن تشكل جزءًا أصيلًا من مرحلة التخطيط لمشروعات النقل والزراعة والصناعة، لا أن تأتي بعد وقوع الضرر.
فراغ قانوني يهدد الغطاء الأخضر الحضري
قال أحمد الصعيدي، المحامي ورئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، إن زراعة أعداد كبيرة من الأشجار وحدها لا تستطيع معالجة استمرار إزالة الأشجار المعمرة.
وأوضح الصعيدي لـ«المنصة» أن المادة 45 من الدستور تلزم الدولة صراحة بحماية وتنمية المساحات الخضراء الحضرية، لكنه أشار إلى أن الواقع لا يعكس وجود حماية حقيقية للأشجار والمساحات الخضراء القائمة.
وفي تعليقه على توجيه السيسي بشأن تخضير القاهرة، قال الصعيدي إن التوجيه لم يتضمن آليات لحماية الأشجار القائمة، كما لم يتطرق إلى عمليات الإزالة واسعة النطاق التي تشهدها الشوارع بصورة يومية. وأكد أن حماية الغطاء الشجري القائم ينبغي أن تشكل أساس أي سياسة للتخضير.
وأضاف أن الحل لا يكمن في مجرد زراعة الأشجار ثم اعتبار المشكلة منتهية، مشددًا على ضرورة إعطاء الأولوية لوقف إزالة الأشجار المعمرة متى أمكن ذلك، بدلًا من قطعها ثم البحث عن برامج لتعويضها.
وبشأن تعهد الوزيرة منال عوض بزراعة ضعف عدد الأشجار التي أزيلت في شارع جامعة الدول العربية، أعرب الصعيدي عن تشككه في جدوى السياسة، مشيرًا إلى أن مصر تتبع منذ عام 2016 نهج «ما يُقطع نزرع مكانه»، معتبرًا أن إعادة تدوير هذه السياسة لا تعالج أصل المشكلة.
وأشار إلى أن الشجرة القائمة تمثل سنوات من تراكم رأس المال الطبيعي، بينما لا تستطيع الشتلة استعادة هذه القيمة البيئية بصورة فورية.
وأرجع الصعيدي الأزمة إلى تشتت الإطار القانوني المنظم للأشجار في مصر، في ظل تعدد الجهات وتداخل الاختصاصات ووجود «فجوة قانونية» تحكم عمليات قطع الأشجار ونقلها وإجراءات التخفيف والتعويض البيئي.
وقال الصعيدي إن مصر بحاجة إلى قانون لحماية الأشجار، موضحًا أن التشريعات الحالية موزعة وقديمة وغير قادرة على توفير الحماية الكافية للغطاء الشجري داخل المدن. وأشار إلى أنه كان يأمل أن يدعو القرار الرئاسي مجلس النواب إلى إعداد تشريع واضح يحدد الجهة القانونية المسؤولة عن الأشجار البلدية، ويضع قيودًا صارمة على إزالتها، ويحدد بدقة الجهة المختصة بمنح تصاريح القطع.
ورغم أن قانون العقوبات المصري يجرّم قطع الأشجار والمحاصيل أو إتلافها في ظروف محددة، كما تلزم المادة 45 من الدستور بالحفاظ على الثروة النباتية والمساحات الخضراء داخل المدن، يرى الصعيدي أن هذه النصوص لا تزال غير كافية.
ولا تنظم هذه الأحكام قرار الإزالة الإداري نفسه، ولا تفرض تقييم البدائل المتاحة قبل قطع الأشجار، كما توزع المسؤولية بين جهات حكومية متداخلة ومتعارضة في بعض الأحيان.
وتكشف أزمة أشجار القاهرة بذلك عن فجوة بين سياسات زيادة أعداد الأشجار المزروعة وبين حماية الأشجار المعمرة القائمة. فالشجرة التي احتاجت عقودًا لتكوين جذورها وجذعها وغطائها الأخضر لا يمكن اختزال قيمتها البيئية في عدد من الشتلات الجديدة، ما يجعل حماية الغطاء الشجري الموجود عنصرًا أساسيًا في أي استراتيجية جادة لتخضير المدن المصرية.
https://almanassa.com/en/news/33806

